ابن الحسن النباهي الأندلسي

74

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

وارتكبوا العظائم ، وانتهكوا المحارم ؛ ولقد ظفر بهم . ووافق الداوة التي كان الواثق يكتب بها بين يدي قاضيه ابن أبي داود ؛ فقال له : « قدمها إليّ ؛ لأوقع بها في ضرب أعناق هؤلاء الفتكة » فأمسك ؛ فقال له الواثق : « أنت قرأت عليّ قديما أنّ خالد بن الوليد كتب إلى عمر بن الخطّاب - رضي اللّه عنهما - في قوم عتوا وأفسدوا وقتلوا ، يستأمره في أمرهم . فكتب إليه بضرب أعناقهم . أفلا ترضى أن أكون مثل خالد وأجري مجراه ؟ » فأقبل القاضي عليه وقال : « سألتك باللّه العظيم ! أنت كعمر وعتّاب كخالد ! أشركك في دمائهم وأعينك على ما تريد من أمرهم » فأمسك الواثق على المراجعة وقال لغلامه : « قدّم الدواة ! فإنّا لا نكلّف أبا العبّاس ما يشقّ عليه » . وعلى كلّ حاكم أن يكون شديد الحذر من دسائس نفسه ، قاطعا أسباب مطامعه ، وأن لا يكون من شأنه حبّ المدح في وجهه ، والركون إلى الثناء على شيمه ؛ فإنه مهما عرف بذلك ، تضوحك به ، وأكثر الوقوع في جنابه ، والتهاون بناحية . قال ابن يونس : بل يكون همّه في ثلاث خصال : رضاء ربّه ، ورضاء سلطانه ، ورضاء من يلي عليه . وكان الشافعيّ يقول : « لما رأيت الناس لا يجتمعون على حالة ، أخذت لنفسي بالذي هو أولى » . ونظم بعضهم هذا المعنى ، فقال : [ الكامل ] اعمل لنفسك صالحا لا تحتفل * بكبير قيل في الأنام وقال فالناس لا يرجى اجتماع قلوبهم * لا بدّ من معن عليك وقال ذكر القاضي الفرج بن كنانة « 1 » ومن الفقهاء المعدودين بالأندلس في صدور القضاة ، الفرج بن كنانة الكنانيّ . رحل إلى المشرق ، وسمع من عبد الرحمن بن القاسم وغيره . ولمّا قدم من رحلته ، استخلصه الأمير الحكم بن هشام ، وولّاه قضاء الجماعة بقرطبة . وهو كان القاضي

--> ( 1 ) ترجمة القاضي الفرج بن كنانة في قضاة قرطبة ( ص 93 - 98 ) والمغرب في حلى المغرب ( ج 1 ص 146 ) وتاريخ علماء الأندلس ( ص 586 ) وجذوة المقتبس ( ص 328 ) وبغية الملتمس ( ص 444 ) وذكره ابن الخطيب في الإحاطة ( ج 1 ص 480 ) ضمن قضاة الحكم بن هشام الربضي .